ابن كثير
361
البداية والنهاية
الرجال وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد ، وقال : أحيى معروفك بإماتة ذكره ، وقال عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر ؟ وقال : ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أدعى ، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما ( 1 ) ، وقيل له : بم سدت قومك ؟ قال : بتركي من الامر مالا يعنيني ، كما عناك من أمري ما لا يعنيك . وأغلظ له رجل في الكلام وقال : والله يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرا ، فقال له : إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع مني واحدة ، وكان يقول في دعائه : اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك ، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك . وقد كان زياد بن أبيه يقر به ويدنيه ، فلما مات زياد وولي ابنه عبيد الله لم يرفع به رأسا ، فتأخرت عنده منزلته ، فلما وفد برؤوساء أهل العراق على معاوية أدخلهم عليه على مراتبهم عنده ، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه ، فلما رآه معاوية أجله وعظمه ، وأدناه وأكرمه ، وأجلسه معه على الفراش ، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم ، ثم شرع الحاضرون في الثناء على ابن زياد والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : مالك لا تتكلم ؟ قال : إن تكلمت خالفتهم ، فقال معاوية : أشهدكم أني قد عزلته عن العراق ، ثم قال لهم . انظروا لكم نائبا ، وأجلهم ثلاثة أيام ، فاختلفوا بينهم اختلافا كثيرا ، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد الله ، ولا طلبه أحد منهم ، ولم يتكلم الأحنف في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم ، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك الكلام ، وكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : تكلم ، فقال له : إن كنت تريد أن تولي فيها أحدا من أهل بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد الله ، فإنه رجل حازم لا يسد أحد منهم مسده ، وإن كنت تريد غيره فأنت أعلم بقرابتك ، فرده معاوية إلى الولاية ، ثم قال له بينه وبينه : كيف جهلت مثل الأحنف ؟ إنه هو الذي عزلك وولاك وهو ساكت ، فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد جدا . توفي الأحنف بالكوفة وصلى عليه مصعب بن الزبير ، ومشى في جنازته ، وقد تقدمت له حكاية ، ذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد ، وأنه أصلح بينهما بكلام ، قال فبعث معاوية إلى يزيد بمال جزيل وقماش كثير ، فأعطى يزيد نصفه للأحنف والله سبحانه أعلم . البراء بن عازب ابن الحارث بن عدي بن مجدعة ( 2 ) بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الحارثي الأوسي . صحابي جليل ، وأبوه أيضا صحابي ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
--> ( 1 ) انظر كلامه مفصلا في الكامل للمبرد ج 1 / 75 وص 104 . ( 2 ) كذا بالأصل والاستيعاب والإصابة ، ولم يذكر ابن الكلبي في نسبه مجدعة وهو أصوب .